فصل: الفصل الثاني: معالجات أمراض سوء المزاج:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: القانون (نسخة منقحة)



.الفصل الثاني: معالجات أمراض سوء المزاج:

أما ما كان منه بلا مادة فإنما نبذل سوء المزاج فقط وإن كان مع مادة فإنا نستفرغها وربما كفانا الاستفراغ وحده إن لم يتخلّف عنه سوء المزاج لتمكنه السالف وربما لم يكفنا ذلك إن ونقول: إن معالجة سوء المزاج أصناف ثلاثة لأن سوء المزاج إما أن يكون مستحكماً فيكونا علاجه بالضد على الإطلاق وهذا هو المداواة المطلقة فإما أن يكون في حد الكون وإصلاحه مداواة مع التقدم بالحفظ بمنع السبب ومنه ما يريد أن يكون ويحتاج فيه إلى منع السبب فقط ويسمى التقدم بالحفظ.
مثال المداواة معالجة عفونة حمّى الربع بالترياق وسقي الماء البارد في الغب ليطفي.
ومثال المداواة والتقدم بالحفظ الاستفراغ في الربع بالخربق وفي الغب بالسقمونيا إذا أردنا بذلك أن نمنع ابتداء نوبة تقع.
ومقال التقدم بالحفظ مفرداً استفراغ المستعدّ لحمى الربع لغلبة السوداء بالخربق ولحمى الغب لغلبة الصفراء بالسقمونيا.
وإذا أشكل عليك شيء من الأمراض سببه حر أو برد وأردت أن تجرب فلا تجربن بمفرط وانظر كي لا يغرك التأثير الذي بالعرض.
واعلم أن التبريد والتسخين مدتهما سواء لكن الخطر في التبريد أكثر لأن الحرارة صديقة الطبيعة وأنّ الخطر في الترطيب والتيبيس سواء لكن مدة الترطيب أطول والرطوبة واليبوسة كل واحدة منهما يحفظ بتقوية أسبابها وتبذل بتقوية أسباب ضدها.
والحرارة تقوى بالأسباب التي فرغنا من ذكرها ثم بالمنعشات وهي نفض الثفل والامتلاء وتفتيح السدد ثم بما يحفظها وهو الرطوبة المعتدلة.
والبرودة تقوى بتقوية أسبابها أوتخنق الحرارة وبما يفرط تحليلها وهو اليبوسة بالذات والحرارة بالعرض.
والمعالج فرط الحرارة بتفتيح السدد ينبغي أن يتوقى التبريد المفرط لئلا يزيد في تحجّر السدة فيزيد في سوء المزاج الحار بل ينبغي أن يترفق فيعالج أولاً مما يجلو فإن كفى جال مبرد كماء الشعير وماء الهندبا فبها ونعمت وإن لم يقنع ذلك فبما يكون معتدلاً فإن لم يقنع فبما فيه حرارة لطيفة ولا يبالي من ذلك فإن نفع تفتيحه في التبريد أكثر من ضرر تسخينه السهل التطفئة بعد التفتيح وربما منع فرط التطفئة من نضج الأخلاط الحادة.
وإن كان بعض الناس مصرًّا على إبطال هذا الرأي وليس يدري أنّ التطفئة القوية تسقط القوة ولا سيما التي ضعفت بالمرض وإن كانت تصلح من المادة فضل إصلاح فإنها قد تعقب أمراضاً أخرى إما من سوء مزاج بارد مفرد وأما مع مواد مضادة للمواد التي أصلحها.
وأما تسخين المزاج البارد فكأنه صعب إذا كان قد استحكم وغاية من السهولة في الابتداء.
وبالجملة فإن تسخين البارد في ابتداء الأمر أسهل من تبريد التسخين في الابتداء لكن تبريد التسخين في الانتهاء وإن كان صعباً أسهل من تسخين البارد في الانتهاء لأن البرودة البالغة هي موت من الغريزة أو مساوقة له.
واعلم أن التبريد قد يقارن التيبيس وقد يقارن الترطيب وقد يخلو منهما.
والتيبيس أشدّ إثباتاً للبرودة التي قد حدثت.
والترطيب أشد جلباً للبرودة المستحدثة.
وقد يعين في التيبيس جميع أسباب الحرارة إذا أفرطت ويعين في الترطيب جميع أسباب البرودة إذا أفرطت ولا يبلغ فيه شيء مبلغ الدعة والاستحمام الدائم الخفيف والأبزن وقد فرغنا من هذا فيما سلف.
وشرب الممزوج قوي في الترطيب.
واعلم أن الشيخ إذا احتاج إلى تبريد وترطيب فإنه لا يكفيه من ذلك ما يرقه إلى الاعتدال بل ما يجاوز ذلك إلى مزاجه البارد الرطب الذي وقع له فإنه وان كان عرضياً فهو له كالطبيعي.
ويجب أن تعلم أنه كثيراً ما يحوج في تبديل مزاج ما إلى أن تستعمل ما يقوي ذلك المزاج مخلوطاً بما يضافه مثل ما يحوج إلى استعمال الخل مع الأدوية المسخنة لعضو ما حتى تعوض قوّتها ومثل ما يحوج إلى استعمال الزعفران في الأدوية المبردة للقلب ليوصلها إليه وكثيراً ما يكون الدواء قوي التأثير في تغيير المزاج إلا أنه يلطفه لا يلبث ريث ما يفعل فعله فيحتاج أن يخلط به شياً يكثفه ويحبسه وإن كان موجباً لضد فعله مثل ما يخلط بدهن البلسان الشمع وغيره ليحبسه على العضو مدة يفعل فيها فعله.

.الفصل الثالث: كيف ومتى يجب أن يستفرغ:

الأشياء التي تدل على صواب الحكم في الاستفراغ عشرة:
الإمتلاء والقوة والمزاج والأعراض الملائمة مثل أن تكون الطبيعة التي تريد إسهالها لم يعرض لها إسهال فإن الإسهال على الإسهال خطر والسحنة والسنّ والفصل وحال هواء البلد وعادة الاستفراغ والصناعة.
وهذه إذا كانت على ضد جهة دلالة تقتضي الاستفراغ منعت من الاستفراغ فالخلاء لا محالة يمنع من الاستفراغ وكذلك ضعف أي قوة كانت من الثلاث إلا أنا ربما آثرنا ضعف قوة ما على ضرر ترك الاستفراغ وذلك في القوى الحسية والحركية إذا رجونا تدارك الأمر الخطير إن وقع وذلك في جميع القوى.
والمزاج الحار اليابس يمنع منه والبارد الرطب لعدم الحرارة أو ضعفها يمنع منه أيضاً.
وأما الحار الرطب فالترخيص فيه شديد وأما السحنة فإن الإفراط في القضافة والتخلخل يمنع منه خوفاً من تحلل الروح والقوة ولذلك فإن الواجب عليك في تدبير الضعيف النحيف الكثير المرار في الدم أن تداريه ولا تستفرغه وتغذيه بما يولّد الدم الجيد المائل إلى البرد والرطوبة فربما أصلحت بذلك مزاج خلطه وربما قويته فيحتمل الاستفراغات وكذلك لا يجب أن يقدم على استفراغ القليل إلاً كل عادة ما وجدت عن استفراغه محيصاً.
والسمن المفرط أيضاً يمنع منه خوفاً من استيلاء البرد وخوفاً من أن يضغط اللحم العروق ويطبقها إذا استخلاها فيخنق الحرارة أو يعصر الفضول إلى الأحشاء.
والأعراض الرديئة أيضاً مثل الاستعداد للذرب والتشنّج تمنع منه والسن القاصر عن تمام النشو والمجاوز إلى حد الذيول يمنع منه.
والوقت القائظ والبارد جداً يمنع منه والبلد الجنوبي الحار جداً مما يحرز ذلك فإن أكثر المسهلات حادة واجتماع حادّين غير محتمل ولأن القوى تكون ضعيفة مسترخية ولأن الحر الخارج يجذب المادة إلى خارج والدواء يجذبه إلى داخل فتقع مجاذبة تؤدي إلى تقاوم والشمالي البارد جداً يمنع منه وقلة الاستفراغ تمنع منه والصناعة الكثيرة الاستفراغ كخدمة الحمام والحمالية تمنع منه.
وبالجملة كل صناعة متعبة.
وينبغي أن تعلم أن الغرض في كل استفراغ أحد أمور خمسة: استفراغ ما يجب استفراغه وتعقبه لا محالة راحة إلا أن يتعقبه إعياء الأوعية أو ثوران الحرارة أو حمى يوم أو مرض آخر مما يلزم كسحج الإسهال للأمعاء وتقريح الإدرار للمثانة وهذا وإن نفع فلا يحس بنفعه بل ربما أدى في الحال إلى أن يزول العارض.
والثاني: تأمل جهة ميله كالغثيان ينقى بالقيء والمغص بالإسهال.
والثالث: عضو مخرجه من جهة ميله.
كالباسليق الأيمن لعلل الكبد لاالقيفال الأيمن فإنه إن أخطأ في مثال هذا ربما جلب خطر أو يجب أن يكون عضو المخرج أخس من المستفرغ منه لئلا تميل المادة إلى ما هو أشرف.
ويجب أن يكون مخرجه منه طبيعياً كأعضاء البول لحدبة الكبد والأمعاء لتقعيرة وربما كان العضو الذي يندفع منه هو العضو الذي يجب اْن يستفرغ منه لكن به علة أو مرض يخاف عليه من مرور الأخلاط به فيحتاج أن يمال إلى غيره مما هو أصوب وربما خيف عليه من غلبة الأخلاط مرض مثل ما يندفع من العين إلى الحلق فربما خيف منه الخناق فيجب أن يرفق في مثله.
والطبيعة قد تفعل مثل هذا فيستفرغ من غير جهة العادة صيانة لذلك العضو عند ضعفه وربما كان ما تستفرغه الطبيعة من الجهة البعيدة المقابلة يبقى معه إسهال مثل ما يندفع من الرأس إلى المقعدة أو إلى الساق والقدم فإنه لا يعلم بالحقيقة كان من الدماغ كله أو من بطن واحد.
والرابع: وقت استفراغه وجالينوس يجزم القول: بأن الأمراض المزمنة ينتظر فيها النضج لا غير وقد علمت النضج ما هو.
وقيل الاستفراغ وبعد النضج يجب فيها أن يسقى من الملطفات كماء الزوفا والحاشا والبزور.
وأما في الأمراض الحادة فالأصوب أيضاً انتظار النضج وخصوصاً إن كانت ساكنة وأما إن كانت متحركة فالبدار إلى استفراغ المادة أولى إذ ضرر حركتها أكثر من ضرر استفراغها قبل نضجها وخصوصاً إذا كانت الأخلاط رقيقة وخصوصاً إذا كانت في تجاويف العروق غير متداخلة للأعضاء.
وأما إذا كان الخلط محصوراً في عضو واحد فلا يحرك البتة حتى ينضج ويحصل له القوام المعتدل على ما علمته في موضعه وكذلك إن لم يؤمن ثبات القوة إلى وقت النضج استفرغناها بعد احتياط منا في معرفة وقتها وغلظها فإن كانت ثخينة لحمية غليظة لم يجز لك أن تحركها إلا بعد الترقيق ويستدل على غلظها من تقدم تخم سالفة ووجع تحت الشراسيف ممدد أو حدوث أورام في الأحشاء.
ومن أوجب ما تراعيه في مثل هذه الحال حال المنافذ حتى لا تكون منسدة وبعد هذا كله فلك أن تسهل قبل النضج.
واعلم أن استفراغ المادة وقلعها من موضعها يكون على وجهين: أحدهما بالجذب إلى الخلاف البعيد والآخر بالجذب إلى الخلاف القريب.
وأولى أوقاته أن لا يكون في البدن امتلاء ولا من المواد توجه ولنفرض رجلاً يسيل من على فمه دم كثير وامرأة مفرطة سيلان بواسيرها فنحن لا نخلو إما أن نستفرغ بإمالته إلى الخلاف القريب فيكون الواجب إمالة تلك المادة في الأول إلى الأنف بالترغيف وفي الثاني إلى الرحم بإحدار الطمث.
فإن أردنا أن نجذب إلى الخلاف البعيد استفرغنا الدم في الأول من العروق والمواضع التي في أسفل البدن وفي الثاني من العروق والمواضع التي في أعلى البدن.
والخلاف البعيد لا يجب أن يباعد في قطرين بل في قطر واحد وهو القطر الأبعد فإنه إن كانت المادة في الأعالي من اليمين فلا يجذبها إلى الأسافل من الشمال بل إما إلى الأسافل من اليمين نفسه وهو الأوجب وإما إلى اليسار من العلو إن كان بعيداً عنه بعد المنكب من المنكب ولم يكن حاله كحال جانبي الرأس فإنه إذا كانت المادة إلى يمين الرأس أميلت إلى الأسافل لا إلى اليسار لماذا أردت أن تجذب مادة إلى البعد فسكن وجع الموضع أولاً لتقل مزاحمته بالجذب فإن الوجع جذاب وإذا استعصى إلى حيث يجذبه فلا يعنف فربما حركه التعنيف ورقّقه ولم ينجذب فصار أسرع ميلاً إلى الموضع الموجوع وربما كفاك أن يجذب وإن لم يستفرغ فإن الجذب نفسه يمنع توجهه إلى العضو وإن لم يخرجه فيكون الجذب نفسه يبلغ الغرض وإن لم تستفرغ معه بل اقتصرت على ميل الشد على الأعضاء المقابلة أو المحاجم أو الأدوية المحمرة وبالجملة بما يولد إيلاماً ما.
وأسهل المواد استفراغاً ما هو في العروق.
وأما في الأعضاء والمفاصل فإنها قد يصعب إخراجها واستفراغها ولا بد أن يخرج في استفراغها معها غيرها.
والمستفرغ يجب أن لا يبادر إلى تناول أغذية كثيرة ونية فتجذبها الطبيعة غير مهضومة فإن وجب شيء من ذلك فيجب أن يكون قليلاً قليلاً شيئاً بعد شيء حتى يكون بالتدريج ويكون الداخل في البدن مهضوماً جيداً.
والقصد هو الاستفراغ الخاص للأاخلاط الزائدة بالسوية وأما الاستفراغ الخاص بخلط يكثر وحده في كميته أو يفسد في كيفيته فهو غير القصد وكل استفراغ أفرط فإنه يحدث حمى في الأكثر ومن أورثه انقطاع إسهال كان معتادة علة فمعاودة ذلك الاستفراغ يبرئها في الأكثر مثل من أورثه انقطاع وسخ أذنه أو مخاط أنفه سدداً فإن عودهما ما يذهب بها.
واعلم أن إبقاء بقية من المادة التي يحتاج إلى استفراغها أقل من الاستقصاء في الاستفراغ والبلوغ به إلى أن تخور القوة.
وكثيراً ما تحلل الطبيعة تلك البقية وما دام الخلط المستفرغ من الجنس الذي ينبغي والمريض يحتمله فلا تخف من الإفراط.
وربما احتجت أن تستفرغ إلى الغشي ومن كانت قوته قوية ومادة أخلاطه الرديئة كثيرة فاستفرغها قليلاً قليلاً وكذلك إذا كانت المادة شديدة التلحج أو شديدة الاختلاط بالدم ولا يمكن أن تستفرغ دفعة واحدة كما يكون في عرق النساء وفي أوجاع المفاصل المزمنة وفي السرطان والجرب المزمن والدماميل المزمنة اعلم أن الإسهال يجذب من فوق ويقلع من تحت فهو موافق للجذبين المخالف والموافق وموافق أيضاً بعد استقرار المواد فإذا كانت المواد من تحت جذبها إلى خلاف وقلعها أيضاً من حيث هي والقيء يفعل الجذب والقلع بالعكس والفصد يختلف حاله بحسب المواضع التي منها يؤخذ الدم على ما علمت.
وأقل الناس حاجة إلى الاستفراغ من كان جيد الغذء جيد الهضم.
وأصحاب البلدان الحارة قليلو الحاجة إلى الاستفراغ.